ديمقراطية الصندوق
انتهت سياسات الدول العربية الى التقيد بمفهوم وحيد عن الديمقراطية وهى ديمقراطية الصندوق الانتخابي, فالحكم النهائي يكون له وهى دول قادرة على زيادة الاصوات لصالحها كل منها بطريقتها وهى تتفنن فى ذلك باساليب متنوعة , فتعيش بعض الدول العربية موسما انتخابيا لتجديد برلمانات او انتخابات رئاسية بعضها انجز والبعض الاخر مازال على الطريق تتقدمها حملات انتخابية لها خطاب سياسي يشدد على الديمقراطية والتزامها المطلق على اعتبار ان صندوق الانتخاب يمثل اعلى تجليات الديمقراطية فى نظر هذة السلطات والاحزاب , فقد تم انتخاب الرئيس الجزائري ” بوتفليقة” وهو يعيش ايامة الاخيرة فلم يتمكن حتي من القاء خطاب الرئاسة,اتي الى صندوق الاقتراع على كرسي ورغم ذلك حصل على 85 % من اصوات المقترعين مدعوما بالمجموعة العسكرية القابضة على السلطة التي وجدت فية الرئيس الشكلى كوسيلة تسمح لها بادارة البلاد, وكذلك فى العراق اجريت انتخابات برلمانية مشكوك فى نزاهتها حيث رافق الانتخابات اعمال عنف وسيارات مفخخة منعت الكثير من العراقيين الذهاب لمقرات الاقتراع , لم يخل الخطاب السياسي فيها من تحريض طائفى ومذهبي ترتب علية ازدياد الوضع سوءا وموجات عنف طائفي اكثر ضراوة مما جعل من انجاز هذة الانتخابات شكليا ليس الا .وفى سوريا – فى ظل شلالات الدم – التي تجري فى جميع قراها ومدنها تم اعادة انتخاب ” بشار الاسد” عبر صندوق الانتخابات فى بلد هجرتة نصف سكانة سواء داخل البلاد ام خارجها كان الناخب الاكبر والصوت الاعلى هى البراميل المتفجرة , وحتي تكتمل المسرحية الهزلية كان المرشحين للرئاسة ثلاثة مرشحين من بينهم ” بشار” وهو توجة جديد خلافا على ماكان علية والده “حافظ الاسد” فلم يكن يسمح بالمرة ولو شكليا لمرشح اخر ان ينافس القائد الخالد , وفى لبنان الذي يتغني فيه اللبنانيون بشعار الديمقراطية وتداول السلطة لكن الاستقطابات الطائفية والمذهبية اظهرت هشاشة الطبقة السياسية بتياراتها المتعددة الداخلة فى السلطة موالية او معارضة او من خارجها , فتحولت الديمقراطية الى ديمقراطية لتعطيل للانتخابات , فمهزلة انتخابات الرئاسة بلبنان تكبر يوما بعد يوم فينتظرون تعيين رئيسهم بقرار خارجي او بتمثيلية شكلية فى البرلمان اللبناني . اما فى مصرفقد فعلها ” مبارك ” فى اخر انتخابات رئاسية حيث كان ضمن عشرة مرشحين وفاز بامتياز نتيجة ” صندوق الانتخابات” وبعد عزله اتي ” محمد مرسي ” عبر صندوق الاقتراع ايضا ولكنه ومع تنظيم الاخوان المسلمين اعتبر ان المسار الديمقراطي ينتهي بمجرد الحصول على الاكثرية فى الاصوات التي يتولد عنها الشرعية الابدية , وبعدها تصبح الديمقراطية حكم الاخوان الاوحد وتلغي كل المظاهر والمكونات التي تقع فى صلب الديمقراطية والتعددية الحزبية , ترتب علي ذلك الكثير من الاخطاء من تصفية الحسابات مع مفاصل الدولة من شرطة وجيش وقضاء واعلام الامر الذي ادي الى تعبئة الراي العام ضدهم بالا ضافة الى اصدار قانون العزل السياسي لاعضاء الحزب الوطني وتحصين قرارات صدرت بقوانين , ادي ذلك كلة الى ” كهربة الجو العام ” يسودة مناخ من الارهاب مع احكام قضائية جماعية مصحوبة بغضب شعبي , وفى ظل حالة من التهويل بالفوضي المقبلة وضياع الدولة اذا لم يتم انتخاب مرشح عسكري يستطيع السيطرة على الوضع المتازم , حيث افلت الزمام من الجميع ووقفت الاحزاب الكرتونية والنخب السياسية تراقب الموقف , ووسط حملة شعبية سياسية وجميع من كانوا ضدهم خاصة كبار ورموز نظام مبارك ورجال الا عمال بقيامهم بحملة ممنظمة كان عنوانها ” السيسي او الفوضي ” وهو شعار قادر بقوة على تجييش الجماهير لمصلحة المرشح العسكري , حيث بات الامن الفردي والامن الوطني يشكل المطمح الاول للمواطن المصري الراغب فى الحياة والعمل والماكل قبل كل شيء, لذا لن يكون غريبا ان يعطي صندوق الاقتراع اصواتا كبيرة وكثيرة لهذا التهديد بانعدام الامن فى مصر .الخلاصة اذن هى ان صندوق الانتخابات احد عتاصر الممارسة الديمقراطية ولكنه لا يختزلها . فالديمقراطية هى اعتماد مبدأ التداول السلمي للسلطة وان يكون هناك تقييدا لسلطة الحكومة بدستور يخضع لة الحاكم والمحكوم على قدم المساواة ونظام قضائي مستقل لحماية مبدأ حكم القانون, وليس بنظام قضائي مسيس او تابع للسلطة التنفيذية يعدل فية كيفما يشاء كما هو حاصل الان بتعديل بعض مواد القانون الخاصة بالاجراءات الجنائية لاطلاق يد القاضي فى اصداره الامر باستدعاء الشهود من عدمه , وهو تعديل – اذا تم فعلا وصدر به قانون فستكون تبعاتة وخيمة اسوأ من تبعات ” قانون التظاهر ” الذي زج بالاف الثوار وضحايا القبض العشوائي فى السجون والمعتقلات , وسيكون قانونا مخالفا للدستور فى ضمانات حق المتهم بالدفاع واستدعاء شهود النفى من جانبة وهو حق كفلة الدستور, فلا ديمقراطية فى عالم عربي يعيش فوضاه الكيانية لاقصي الحدود , ويظل صندوف الانتخابات تعبيرا شكليا عن ديمقراطية منقوصة الى ابعد الحدود .
